الصالحي الشامي
188
سبل الهدى والرشاد
قال الحافظ في الإصابة : ولم يأت على ذلك بدليل إلا قول أبي عمر : ليس في الصحابة أبي خيثمة سوى الجعفي والسالمي ، وفي هذا الحصر نظر - فقال أبو خيثمة : أنا يا رسول الله ، فسلك به في حرة بني حارثة وبين أموالهم ، حتى سلك في ماء مربع - بكسر الميم وفتح الموحدة - ابن قيظي - بفتح القاف فمثناة تحتية فظاء معجمة مشالة - وكان منافقا ضرير البصر ، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم ، ويقول : إن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي ، وذكر أنه أخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب غيرك فضربت بها وجهك . فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر " . وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربه بالقوس فشجه ، فغضب له ناس من بني حارثة وهم قومه ، وكانوا على مثل رأيه ، فهم بهم أسيد بن حضير حتى أومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف . وذب فرس أبي بردة بن نيار - بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء - بذنبه ، فأصاب كلاب سيفه فاستله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحب الفأل الحسن ولا يعتاف : " يا صاحب السيف ، شم سيفك ، إني أخال السيوف ستسل اليوم فيكثر سلها " . ذكر انخزال عدو الله ابن أبي بثلث العسكر لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشوط انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس كافة كأنه هيق ، فقال : " أطاع الولدان ومن لا رأى له وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس هاهنا ؟ " فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب ، وتبعهم عبد الله بن حرام - بالراء - يقول : يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر عدوهم ، يا قوم تعالوا فقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، فقالوا : لم نعلم قتالا ما أسلمناكم ، لا نرى أن يكون قتال ، ولئن أطعتنا لترجعن معنا . فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال : أبعدكم الله ، أعداء الله ، فسيغني الله تعالى نبيه عنكم . وأنزل الله تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) [ آل عمران 179 ] قال مجاهد : " ميزهم يوم أحد " وهم المرادون بقوله تعالى : ( وليعلم الذين نافقوا ، وقيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، والله أعلم بما يكتمون ) [ آل عمران 167 ] . وذكر عروة وموسى بن عقبة : أن بني سلمة - بكسر اللام - وبني حارثة لما رجع عبد الله بن أبي سقط في أيديهما ، وهما أن يقتتلا فثبتهما الله تعالى ، ولهذا قال تعالى : ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) [ آل عمران 122 ] .